الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

134

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كلمة العذاب على الكافرين . على كل حال فإن ذلك يخص أولئك الذين قطعوا كل ارتباط لهم بالله سبحانه وتعالى ، وأغلقوا عليهم منافذ الهداية بأجمعها ، وأوصلوا عنادهم وتكبرهم وحماقتهم إلى الحد الأعلى ، نعم فهم لن يؤمنوا أبدا ، وليس لديهم أي طريق للعودة ، لأنهم قد دمروا كل الجسور خلفهم . في الحقيقة فإن الإنسان القابل للإصلاح والهداية هو ذلك الذي لم يلوث فطرته التوحيدية تماما بأعماله القبيحة وأخلاقه المنحرفة ، وإلا فإن الظلمة المطلقة ستتغلب على قلبه وتغلق عليه كل منافذ الأمل . فاتضح أن المقصود هم تلك الأكثرية من الرؤوس المشركة الكافرة التي لم تؤمن أبدا ، وكذلك كان ، فقد قتلوا في حروبهم ضد الإسلام وهم على حال الشرك وعبادة الأوثان ، وما تبقى منهم ظل على ضلاله إلى آخر الأمر . وإلا فإن أكثر مشركي العرب أسلموا بعد فتح مكة بمفاد قوله تعالى : يدخلون في دين الله أفواجا . ( 1 ) ويشهد بذلك ما ورد في الآيات التالية التي تتحدث عن وجود سد أمام وخلف هؤلاء وكونهم لا يبصرون . وأنه لا ينفع معهم الإنذار أو عدمه ( 2 ) . الآية التي بعدها تواصل وصف تلك الفئة المعاندة ، فتقول : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون أي مرفوعي الرأس لوجود الغل حول الأعناق . " أغلال " جمع " غل " : من مادة " غلل " ويعني تدرع الشئ وتوسطه ، ومنه الغلل ( على وزن عمل ) للماء الجاري بين الشجر . و " الغل " الحلقة حول العنق أو

--> 1 - سورة النصر ، الآية 2 . 2 - بناء على ما عرضناه يتضح بأن الضمير في " أكثرهم " يعود على قادة القوم وليس على القوم ، وشاهد ذلك الآيات التالية لتلك الآية .